قراءة سريعة في مستقبل الربيع العربي بقلم كميل شحادة
2012-07-19 02:51:25

هل نجاح التيار الاسلامي في الصعود لدفة الحكم في الدول التي عبرت فيها البلاد المرحلة السابقة (رسميا) هو لصالح العرب والمسلمين ولصالح التيار الاسلامي
بدءا ..؟
سأحاول الاجابة على هذا السؤال باختصار من قراءة تقدمية للموضوع ، أي بما  يحمل من معان ودلالات تجاوز الاسلام لمفاهيمه التقليدية في الفهم والتعاطي التاريخي مع الواقع ،من ذات المنطلقات العقدية ،التي لايمكن الا ان تكون قد تأثرت، كمبادئ تاريخية وسيكلوجية ووجدانية شعبية ،لصالح التغيير التقدمي ،سواء كان عفويا ،أو عن وعي وقصد وادراك – وسواء - من قبل الناهضين بالثورة والحاصدين لها .. لقد كانت المحاولة من عهد جمال الدين الافغاني (المحافظ التقليدي) ،ثم محمد عبدة (الاصلاحي) وعبر عبد الرازق (التغييري) ،وصولا لمحمد خالد (الثوري) وسواهم طبعا من قبل ومن بعد  ، نفرٌ معهم وخلفهم وامامهم من المغمورين المكبوتين، ومنهم الاميين ، متطلعين للتجديد والتغيير التقدمي وقد جاءت الفرصة .. ولأكن اكثر وضوحا .. القصد من كلمة  " تقدمي" اي اكثر انفتاحا على العقل الاستقلالي واكثر تغليبا له في الفتاوى وفي الاحكام الدينية والدنيوية ،بغض الطرف عن المستوى العقلي ،فالحديث هنا عن (نزعة عقلية واقعية)، لنصل من ذلك الى استقلال تام بالعقل ولفصل قاطع بين الدين والدولة – كما حصل في اوروبا قبل ثلاثة قرون – بعد الثورتين الانجليزية والفرنسية .. ان مجرد نجاح  التيار الاسلامي (ديمقراطيا)  في الصعود للحكم ،هو اول واهم دلالات التغيير في العقلية الاسلامية والعربية – في الحاضر -  باتجاه العلمنة والتمدن والتقدم ،الامر الذي لم يحصل من قبل . ورغم الاختلاف (الظاهري)في طبيعة كل من الثورة الاروبية ،وثورة الربيع العربي ،إذ ان الثورتين الانجليزية والفرنسية ، خصوصا الاخيرة ، قامت في مواجهة الدين ورجاله ومفاهيمه اللاانسانية  المتحجرة ،بينما ثورة الربيع العربي التي شارك فيها الاسلاميون ولم يكونو مبادرين ،لم تقم ضد الدين ومفاهيمه طبعا، ولم تكن ثورة في مواجهة مفاهيم ، بل في مواجهة اوضاع سياسية ومعيشية متقادمة ،فالذين قاموا بها ليسو مفكرين مهندسين ،بل هو هبوب شعبي تقوده ارادة التغيير والاحتجاج بدون تخطيط وبرمجة وقيادات فوقية  .. غير اننا وبحكم مقومات الواقع ،الذي تهيمن عليه وتقوده مفاهيم غربية في العلم والثقافة والسياسة والاقتصاد  والاجتماع الخ ..كان لا بد لأي ثورة وبغض النظر عن من جاء بها ديني او محض قومي ،ان يتحلحل ويتحرر من التقليد المضاد ، على الاقل في سبيل البقاء والاستمرار في المحافظة على الانجاز التاريخي ، الذي يمكن ان يفلت من ايدي اصحابه ويضيع بلحظة ،وهذا " التكتيك" مساعد ومساهم قوي ،في تعزيز التحول جذريا في المفاهيم الاستراتيجية وثم العقيدية  .. هكذا تكون الامة الاسلامية العربية سائرة عبر (الحتمية ) التاريخية  للتغيير ،الذي انتظره كل مثقف ومفكر "حقيقي" كما اراد الاعلامي والكاتب (محمد ابو عبيد) وهكذا تكون الامة قادرة على الحسم في صراع  جدل الأضداد ،بين عقل الواقع السياسي وعقل الغيب الديني ،لصالح الأول . فيتحول الدين مع الوقت لمسألة فردية ذاتية يقوم بين القلب والرب ، يتخلى طوعا وقسرا عن شموليته كحكم سياسي وكنظام يختزل فيه الدولة .. هذا ما نستطيع قراءته في مستقبل تونس ثم في مصر وليبيا وسائر الدول العربية .. وجميعنا ربما سمع تصريحات المرزوقي في تونس حيال السماح للمرأة بارتداء الشورت .. لقد ملّ الناس الكذب على انفسهم ،والعيش على الامل والايمان وحده ،لقد تزعزعت ثقتهم بالغيب ،وان هم لا يعلنون ذلك صراحةً،وهم يشاهدون الواقع ،ويكابدون العبر منه ومن حياتهم وحياة ذويهم وحياة ابائهم واجدادهم ،منذ قبض الأجنبي على رسن (الناقة) - اي المقومات والمقدرات - العربية وقادها بدلا عنهم ،في صحرائهم وعلى شواطئهم ، بل وفي عقر عواصمهم ( في سفاراتهم) .. ولقد مل المفكرون العرب والاسلاميون على السواء ،من تكرار المحاولات العبثية لايجاد صيغ توافقية مع الغرب ،حيث لا يمكن التوافق ولا يصح إلا بشرط التكافؤ  في القدرة على الحسم في القرار .. وهذا إما ان يكون عقلاني ، اي واقعي يأخذ بالحسبان موازين القوى ،وإما اعتباطي غير مسؤول ،كما فعلت وتفعل الحركات الايديلوجية الدينية المتطرفة ،كالقاعدة بكل تشكيلاتها وأسمائها ومناطقها ، من افغانستان حتى لبنان (النهر البارد وسواه) مرورا بالعراق ،الذي لن يهدأ كما نشاهد في المقراب السياسي والفكري ،بسبب استعصاء الحل العقلي العقلاني ،في ظل هيمنة النزعات الدينية المذهبية الايديلوجية  والسياسية ،التي تحركها وتغذيها ايران وامريكا الصهيونية معًا ،كل ومصلحته .ولقد انتبه الاخوانيون في مصر وسواهم من أحزاب اسلامية وعلمانية في الدول العابرة للمرحلة السابقة ،لضرورة الانفتاح واعطاء الحريات بما يناسب المرحلة على ضوء الواقع القاسي شديد التركيب والتعقيد .وفي الحقيقة كان يجب على المفكرين العرب والاسلاميين من قراءة الواقع بصورة اكثر عقلانية واقل تعصبا للماضي وللتراث ،الذي لم يكن إسلامي بالمعنى الديني القرآني ،إلا نسبيا في فترات متقاطعة من حكم الرشيدين .وهي بالذات الفترات التي تحلى بها الحاكم - كأمير مؤمنين – بقدر من منح الحريات ،لم يتوفر لغيرهم من بعد ،دينيين وقوميين . ولا بد من الاستمرار في المحافظة على ايقاد شعلة الثورة مع التغيير المطلوب بقوة وعقل معًا. حتى يتم إحباط القوى الاجنبية المستمرة  باللعب التقليدي المدمر لكل محاولة عربية اسلامية للخروج من الظلام التاريخي .فلا يبدأ استقلال حقيقي للعرب والمسلمين إلا بالنجاح في ذلك .. وهذا ما أراه قد بدأ فعلا مع التحرك الشعبي الجائح ،الذي برز معبرا عن تغير وتطور حقيقي نوعي في العقل العملي العربي . 



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع المدار بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير
Copyright © almadar.co.il 2010-2026 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع المدار الاول في الشمال
سيجما سبيس بناء مواقع انترنت
X أغلق
X أغلق