لقد اعتاد معظم المفكرين ،الأدباء والمثقفين – خصوصا المعاصرين - على اعتبار (المطلق) فكرة مجردة من بنات اوهام الخيال الطوبي القديم ، تولدت عن خطأ في فترة من فترات التخلف الفكري والعلمي ،في عهود غلبة الخيال الاسطوري على العقل ،الى درجة بات معها الذين يرون بتلك الفكرة واقعا لا ينفصل عن اي واقع ،يخجلون من التعبير الصريح عن رؤيتهم ،لكثرة ما نزل بها من انكار وسخرية ونفور ..
بينما في الحقيقة اي مفهوم يحمل صفة إطلاق ،في صورة ايمان ، نظر ، نشاط ، عاطفة ، فكر ، خيال .. ينتهي بالضرورة اخيرا الى المطلق ،وينتهي اليه كحرية وتحرر من كل قيد .. التحقيق في مطالب النفس يكشف عن حاجة للتحرر من كل شيء في النهاية – بغض النظر عن مستوى الترد في أغلال اللحم والدم – فعلاقتنا كمطلق روحي بظاهرنا الحسي علاقة بسكلوجية وهمية عند التحقيق ،كعلاقة الحالم بالحلم ،ورغم التوتر والطموح للإشباع الجسدي المادي والمعنوي الجاهل،فهو لا يتغير كجوهر شاهد في الخلف ، فلا يوجد سوى المطلق الذي يكشف عن ذاته كحرية تبحث عن نفسها تستخلصها في كل ما نفكر به ونسعى اليه ،وهي ذاتنا المفقود في شتى اشكال القوالب والنماذج والقيود التي يتعبدها الانسان .. مفقود في نموذج وقالب الشيخ الديني في مظهره التقليدي ،مفقود في نموذج المتعلم والمثقف في بذلة وربطة عنق ،مفقود في نموذج الرسام والنحات ،وأحيانا الاديب والشاعر ،وعموما الفنان في مظهر القبعة والغليون .. مفقود وغائب ومحجوب في كل لون ونغمة وحركة وحرف ،تقليديا جاء ، تكعيبيا / حفرا الى الداخل ام الى الخارج ، ام سرياليا .. وذلك من حيث ان جذر كل قالب هو مفهوم حسي ذي وعي ظاهري ثنائي جمعي ،هو قالب أنموذجي سطحي في داخله يتكون كل (خالق ومخلوق ).. فهذه الحرية لا تتحقق على المستوى الحسي المادي ، وان تجلت فيه بقدر .. وتتمظهر في حياتنا وفي انظمة حياتنا البشرية بقدر .. وليس تقدم البشر في تحسين ظروف عيشهم ،في اختراعاتهم وأنظمتهم سوى تعبير عن تقدم في تحقيق جزئي وضئيل جدا من الحرية ،كسيول صغيرة الى جانب بحر هادر .. لكنها سيول لا زال "التقدم" يضع يده فيها حتى عكّرها تماما وافقدها ماهيتها وسبل جريانها الطبيعية .. بينما البحر قائم فينا غائب عن ادراكنا ووعينا بمدى اختلاطه واندماجه بلحمنا ودمنا وافكارنا ورغباتنا ومخاوفنا وطموحاتنا الارضية والاخروية على السواء .. مع ذلك الحرية (البحر) قائمة ولم تغب ولا تغيب ابدا ، بغض الطرف عن العصر الذي يعيش فيه الانسان ،حيث منطلقات الوجود فينا وحاجاته النفسية والروحية العميقة هي هي ، وهي كالفضاء يحتضن عاصفة من الغبار ، الكون وما فيه .. ولقد اعمت العاصفة البشر منذ وجدت ووجدوا .. فلبس الوعي البشري منها حجبا وظلمات ، منها الديني ومنها الفلسفي ،الدنيوي والاخروي ، الواعي وغير الواعي .. من هذه العاصفة نشأت مذاهب وعقائد وطرق من التفكير ومن الايمان شتى ، وتولدت عنها صراعات وحروب وتنافسات شتى ،لم يزل جميعها قائم متواصل ، من تلك الجذور الطائشة ، جذور تلك العاصفة .. بعضها يحمل شيء من رائحة الحرية دون طعمها ،وبعضًا يحمل أشياء من شكلها دون جوهرها .. وكل من اتباع تلكم العقائد والفلسفات ،يحمل قيودا تنوء بها الجبال ، معتقدا انها اجنحة يحلق بها في سماء الحرية - و الاجابة عن السؤال : لماذا وجدت العاصفة (كخليقة) وكيف ، وهل جاءت بفعل فاعل عاقل أم صدفة أم نتيجة فعل مشترك من عقل واتفاق عفوي ..؟! ففي غير هذا المقام ، لو أمكن ذلك .. أما حين تؤمن بالحرية انت لست حر لان الايمان قيد وحجاب وظلمة .. ان شرط تذوق شيء من جوهر تلك الحرية، هو كفرك بكل المرجعيات التي تعظك وتنصحك وتحثك للسير بموجبها كي تحصل عليها، بما في ذلك هذا الطرح نفسه .. فالحرية لا تُشرح ولا تُفهم ولا طريق اليها لانها الطريق والغاية معا .. رجل الدين الذي يعبد الله هو يعبد حريته دون وعي لذلك ،انه يصلي ويقرأ ويحفظ ويبتهل ويسعى لمرضاتها ،وهكذا تتحول الحرية لصنم فكري عاطفي غيبي ، يقبع في نفسه بصورة اقسى من الحجر ..لان الحجر الذي يكوّن منه الصنم المادي يتفتت بالماء والنار بسهولة ،في حين يتوارث المؤمنون من كل الاديان معتقداتهم عبر الاف السنين ،دون ان تؤثر فيهم الخيبة من ذلك الصنم النفسي ،ولا الغربة والعذاب والتعب من الدوران حوله .. المفكر العلماني يهندس الحرية ،يضع لها حدود وقيود ونظام وشروط ،كمن يحاول عبثا ضبط الريح في قنوات ومربعات ، وفق معادلات .. السياسي يتاجر بها وهو عبد أسير لزعمائه ،أو لمنتخبيه ،الفنان يكتبها يرسمها يلونها ينحتها يُنشدها يمثلها فوق شتى مسارحه ومنابره وحلباته ،لكنه يموت وهو ممسك متشبث بتلك الروائع والأكفان التي تحكي عنها ولا تترجمها .. رجل الدين يعصب رأسه وجسمه بالبياض والسواد ، كضماضات لا تمنع النزيف من كل جهات نفسه من الداخل والخارج ، وما تقواه سوى شمعة يقيها بكفية رياح أربع .. اجل نفوسنا مهشمة .. هشمتها النظريات والايديولوجيات والعقائد جميعا ،مزقتها الرغبات والمخاوف . رغباتنا واحلامنا ومشاريعنا في تصادم دائم مع "رغبات" ومشاريع ومكامن وكمائن السماء والطاقة والثنائيات والأقدار .. ودائما كان المطلوب تحقيق الحرية لا عبادتها ،الاستسلام لها بخيرها وشرها لا التحكم بها .. والتحقيق يقتضي اسقاط الوسائط والوسائل والحوائل والحجب بينك وبينها ، بالتخلي واللامبالاة ،وليس تقديسها والحفاظ عليها وصيانتها بالحرص والخوف والأناة .. الحرية لذة يجب تذوقها ،ليست عقيدة نقدسها وليست تحفا وذخائر ومقتنيات واسواق وحساب بنك وبرامج تخزين وبناء .. انها حضور ساطع كالشمس ،لا غيبا مغيبا في الماوراء .. ان كل المظاهر التي يتخذها المتدين نابعة من تشخيص وتحديد وتقييد للحرية .. وهذه نابعة من التماهي مع الجسم ،والتماهي مع الجسم فكر ، والفكر عند التأمل والتركيز والتحقق غير موجود .. مَ الذي تتعامل معه اذن ..؟!! مع ذلك فالحرية ليست عدما تتأمل فيه ، وليست عبثا تتجاوز به "الخطوط الحمراء " فتتحول لكاسحة مدمرة لليابس والاخضر .. هي ليست حقا اجتماعيا لتعبر عن كل ما يختلج نفسك من هوى وخيال جامح .. هي ايضا ليست نجمة منفلتة من قافلة النجوم في الفضاء اللامتناهي .. بل هي كل ما تبصر ولا تبصر .. تعلم ولا تعلم .. تفعل ولا تفعل ..وكفانا شر الحرف .

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


