كم هو الفرق شاسع بيننا وبينهم!
أثناء تجوالي في المدينة، وكما هي عادتي أتخذ لي أمكنة مهمة فيها، أمكنة تعشقها روحي حيث تكون سببا بتغيير نفسيتي المعكرة أحيانا، فأرنو بسيري إلى حيث تقودني أحاسيسي الجياشة المرهفة، والتى تهفو عادة نحو المناطق الرومانسية، فألجأ دائما إلا إحدى ضفتيّ النهر، ففي كل نزهة أختار قطعة من ضفافه الملتوية.
وهروبا من أصوات الطبول الآتية من الشرق، طبول الحرب، قذف النيران بدون حساب والقتل المتعمد، وغير المتعمد، وليس المكان مناسبا لشرح السياسة هنا، لأني أكره الخوض في شؤون العاهرة التي تكشّف عن عورتها وحسب أمزجتها المتغيرة، هذه القمامة التي أوصدت عيون وأسبلت عيون الناقمين عن رؤية الحقيقة المرة، سداد الضربات الآن يكون للأقوى، القوي الذي يستطيع تسديد الأغوال، ولم نعد نستمع إلا لأصوات الأغوال وهي تنبح مثل ذئب جائع للدماء (غول) (غول) أمام أصوات من فقدوا أصواتهم تماما من جرحى ومنكوبين ومهزومين وقليلي الحظ في دنيا جاءت بهم لكي تنتقم منهم.
أعتقد أني قد ابتعدت كثيرا عن الموضوع الذي حصرت قلمي من أجل تدوينة، ففي لحظات تذكر القسوة تكثر ثرثرة القلم، القلم الذي لم يعد الشيء الهام في عصر الغطرسة والعنف.
أذكر... وفي مرحلة ما من مراحل طفولتي، وعندما كان يفارق الحياة أحد من المدينة، كل شيء يوصد ويعمّ الحداد، تغلق البيوت نوافذها، تغلق الراديوهات، يغلقون على الأطفال في البيوت ويمنعونهم من الخروج إلى الشارع أو الحارة للعب، تغلق أفواه الضاحكين بصوت عال، يغلقون على الابتسامات ويعم الحزن وجوه الجميع، وذلك إكراما لهذا المتوفى وعائلته، شعور تلقائي ينسجم مع روح المحبة التي كانت تتحلى بها النفوس، ويستمر (الإغلاق) عدة أيام متتالية متشابهة بالكآبة، وعندما كنت أمتعض وأطالب والدتي بفتح المذياع لأستمع إلى برنامج الأطفال اليومي، الذي كان يبث من إذاعة القاهرة، (أبلة فضيلة)، كانت تنهرني، تؤدبني وتعلمني درسا بالثقافة وتخضعني لنظم احترام الميت وبيت ذويه وأهله، لكني، أذكر يوما أني سرقت المذياع واختليت به في مكان ما في الحديقة الخلفية لبيتنا، لكي أستمع إلى البرنامج، الذي اهتم دائما بأن يعلم الطفل كيف يحترم أصحاب الأقلام والأدباء، حتى الآن حاضرة في ذاكرتي مقابلة الأديب الكبير نجيب محفوظ وأطفال المستقبل يسألونه ويتحاورون معه، لحظتها تعرفت عليه وبدأت أقرأ له، ولن أنسى القسم الآخر من البرنامج، عندما قامت الإعلامية الكبيرة (فضيلة) تخونني الذاكرة فنسيت اسمها الثاني، بتحضير أسئلة في المعلومات العامة يجيب عليها الأطفال، بعد أن تسرد عليهم حكاية من الحكايات الجميلة... هيهات أن يعود الناس كما كانوا من قبل!
واليوم وأنا هنا، على ضفة النهر، ها أنا أتسمر أمام منظرا غريبا، داهمتني صورة نخلة تتعذب، لوحة حيّة غرزت كالسهم الحاد داخل أضلعي، رقد المنظر داخلي فبللني بالدموع، نعم بكيت، هل يزعجكم بكائي على مجرد نخلة؟
لم أعلم كيف أتكيف لهذا المنظر فسخطت حالا على قسم البيئة في مجلس البلدية، على أنها تركت هذه النخلة الركوع، ترى هل تركع خاضعة خيفة أم استسلاما أم لسخرية القدر وهو أن النهر عذبها بوجودة الخالد، أم هي الطيور التي تناحرت من أجل الفوز ببعض ثمرها ولم تبقِ شيئا للغد، أم هي يد الإنسان، ذلك الإنسان الذي فقد الحنين والرحمة والشفقة، أم أنها سمعت عن أخبار القتل فتضامنت عاقدة العزم على الانتحار!
لم أنم ليلتي، ضيعت أحلامي التي ملّت من انتظاري، ارتشفت النجوم من خلال نافذتي الموصدة رشفة رشفة، وأنا أحسب وأعد وأفكر في تلك النخلة التي فقدت تسبيحها للسماء لمجرد أنها بدأت تسقط دون مبرر يقنعني بأنها بدأت تفقد الحياة، بعنقها الطويل انطوت على نفسها، وكاد وجهها يلامس سطح الأرض، لم أملك تفسيرا مقنعا لسبب مكوثها على هذا الحال أكثر من أسبوعين!
وعندما ذهبت لزيارتها مجددا، ربما لتوديعها، رأيت الحشود تتجمع حولها، كانت الطيور قد ابتعدت، لكن البجعات بقيت تسبح في النهر قريبة منها، اقتربت لكي أكتشف الحقيقة، فرأيت مهندس المجلس البلدي بصحبة خبير البيئة يتناقشان بالأمر عن كيفية تصويبها بدعامات خشبية مناسبة، زغردت أساريري وفرحت، عدت أدراجي وأنا أعد خطواتي للغد، لكي أعود إليها للإطمئنان.
ولأني تعودت على الحزن، وعلى لغة القتل والسلب والنهب والقمع، لم أقتنع بوجود الإنسانية على أرضي الجديدة، تراجعت في منتصف الطريق، توقفت للحظات، أنهكني التفكير، بدأت الشكوك تراوغني، سرت بضع خطوات بقدم مبتورة، ثم توقفت مجددا، خشيت إن وصلتُ المكان أجده فارغا منها، ترددتُ واحترتُ، ولكي أحافظ على تفاؤلي وإيماني بأنهم أصلحوا من شأن النخلة، عدت أدراجي بخطا منتصرة سعيدة...
الصورة: بعدسة دينا سليم

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


