قصة وعبرة:-
كاد الليل أن يرخي سدوله على هذا الكون العجيب الجميل، وراح كل كائن فيه يتخذ إجراءاته لمواجهة أحكام الطبيعة والظلام الدامس الذي يخفي خلفه الأسرار. ومع زفرات النهار الأخيرة كان الحسون يرسل أخر زقزقاته المتشككة المتخوّفة قليلاً، وكأنه يحذّر كل من مِن حوله بإلتزام الهدوء... لأنه قد حان موعد السكينة ولا بدّ من التفتيش عن ملاذٍ يحمي كل من بحاجة الى حماية من مصادر الخطر المحتمل. فجأة صدرت عدّة نعقات من جانب بضع غربان تائهة، محاولة تحدّي الليل المقبل... وصوت الحسّون الرخيم!! سبحان الله، من جهة، كانت أصوات الحساسين الأخيرة تصدح في وجه الظلام، وتكاد تصل السماء الخجولة، التي فتحت صدرها لاحتضان نجوم الليل الزاهية... ومن جهة أخرى تعالت أصوات الغربان المتهدّجة الناشزة... وكأنها تنعي موت النهار الراحل.... والشمس البرتقالية الناعمة الخاضعة!
ها هوالليل يحتل ما تبقّى من مواقع النهار المهزوم، الذي كان يسير مرهقاً، تعباً...من عذاب يوم آخر أوشك على الاستسلام، قسراً!!
هنا وهناك كانت المخلوقات تتقبل الأمر البديهيّ، راضخة للأمر الحسم! فمن كانت له ملكة الليل خرج من وكره وأخذ "يتجبّد" بشغف، إستعداداً لمواجهة المخاطر والتحديّات المقبلة... ومن كانت له ملكة النهار راح يفتّش عن ملاذ يهجع إليه ليرقد فيه، بعيداً عن النوايا السّود التي تكنّها بعض الحيوانات والطيور المفترسة.
أمّا الحسّون فقد إستمرّ في دغدغة خاصرتي الليل بزقزقاته المتقطعة، ولم يتنازل عن حقّه حتّى آخر رمق، والغراب، أيضاً، بقي يبعث بنعيقه المتناهي، معلناً قبوله بمقدرات هذا الكون العظيم، فصمت!
...وعلى أحد الأغصان الباسقة فوق شجرة جهام وقفت حرباءة متشبّثة بأحد الأغصان، تشبثّ الرضيع بثدي أمّه... أو الغريق بالقشّة، وقد لاءمت لونها المخضرّ المصفرّ للأوراق من حولها. كانت عيناها مفتوحتين على مصراعيهما وهي تراقب، بكل واحدة منهما ظواهر الغابة. لقد فتحت فمها مهللة، مكبرة للخالق، جلّ جلاله وربما.... أضحكها نعيق الغراب. بإحدى عينيها كانت تنظر إلى الحسّون الزقزاق وبالأخرى، ألى الغراب الوقواق، ساخرة، ثمّ قالت :"سبحانك ربّي، كيف خلقت كل هذه المتناقضات: الليل والنهار، الحسون والغراب، الصهيل والنهيق، الذئاب والظباء والكلاب والعجول الحمراء!!" وبينما هي في خضمّ ذلك هجعت واستقرّت في نوم عميق لم تفق منه الاّ في صباح الغدّ وقد ملأ نور الشمس هذا الكون العجيب، مبشّراً بقدوم يوم جديد!!

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


