كانت تتردد علينا بين الحين والآخر، وكانت في أول شبابها؛ أما أنا فكنت في العشرين من عمري على وجه التقريب. كنت اجلس في غرفة أخرى غير التي تجلس فيها هي مع عائلتي؛ لان جلوسي مع الضيفة غير مقبول. فالأعراف والتقاليد لمجتمع محافظ كمجتمعنا تتنافى مع ذلك. لا ادري، شيء ما كان يشدني إليها. أتلذذ عند الاستماع لذبذبات صوتها الذي كان يطرق اذني من الغرفة المجاورة، فاشعر بالنشوة مع انني لم افهم منه كلمة واحدة. أحيانا كنت افتعل الدخول إلى غرفة الجلوس لأسرق بعض النظرات دون ان ينتبه إلي احد. إن النظرات التي تُسترق خلسة كفيلة بإشعال حريق، لأنها ممنوعة وكل ممنوع مرغوب.
لقد كنت آنذاك في ريعان شبابي، وكنت خجولا جدا. لقد كانت وجنتاي تحمران كالورد عندما أنظر إلى أي فتاة. وكنت اتساءل احيانا بيني وبين نفسي ممن انتقلت الي جينات الخجل هذه؟ ولا اجد جوابا. ان حالتي مستعصية، لأنها تسير باختلافٍ مع الطبيعة البشرية التي تقول ان الخجل للبنات. لقد كرهت نفسي. كم تمنيت ان اكون زير نساء، تركض ورائي النساء متمنيات نظرة مني أو كلمة. أحيانا كنت أحاول أن اتخيل نفسي وأنا اغازل جارتنا، أو صديقتها التي تتردد عليها يوميا، لكنني أفشل. فحتى خيالي أصيب بالعدوى، ولم يستطع التحرر من هذا المرض المخيف الذي يسمونه الخجل.
في الحقيقة، أنا لم أكن أحب هذا النوع الذي يسمى "الجنس اللطيف". هذا على الأقل ما كنت أتظاهر به أمام الناس. يمكنني القول أنني كنت أكنّ له البغضاء أحيانا. أليس غريبا ما أبوح به؟! إن كل ما يشغل بال الشباب مثل عمري الذي "يسمى سن المراهقة" هو الفتيات؛ أما أنا فلم أكن مثلهم أبدا. أنا لا اشبههم بشيء! كنت اشعر أحيانا بأنني مَسخٌ وجد على هذه الارض عن طريق الخطأً. فمن يمكنه أن يكره مخلوقا يبعث الدفء والحرارة في كل من يحيطه مثلي أنا؟ لا اعلم سبب كرهي لهن؛ ربما لان المجتمع ينظر للفتاة كمبعث للخطيئة، فكل شيء يظهر منها يعتبر عورة: ثيابها، كلامها، ضحكها...هذا ما تعلمته من أهلي.
أن تعيش في مجتمع محافظ معناه انه لا يمكنك أن تكون تلقائيا، معناه ان حياتك مثبتة تحت المجهر الاجتماعي الذي يبلور لك طريق الحياة، لان حياتك ليست ملك لك! أنت تعيش من اجل المجتمع اولا ثم بعد ذلك من اجل نفسك، لان العيون الفاحصة والمنتقدة مصوبة نحوك ليلا ونهارا. يبدو انني فضلت التقوقع داخل نفسي لكي لا اعرض نفسي للقيل والقال.
ماذا يحدث لي؟ لا اعرف! فمن ناحية انا أكره الجنس اللطيف، ومن ناحية اخرى أجدني افكر فيها. وكلما تخيلتها اشعر بتيار من الاحاسيس المخدرة تتملك روحي وكياني. يا له من احساس رائع! حين أفكر بها أشعر بالدفء والحرارة، فتترقرق في عيوني دمعة تخرج من القلب مشبعة بالشوق إليها! لكن ماذا يمكن لشاب مثلي ان يفعل بأحاسيسه هذه؟ لمن ابوح بها؟ ماذا أفعل بكل هذا الشوق اليها؟ إن خجلي يمنعني حتى من التظاهر امام احد بذلك!
انقطعت زياراتها عنا بصورة مفاجئة، لم أشأ أن أسأل عن السبب لان ذلك سيبدو غريبا وغير مقبول، أحسست برغبة عارمة في رؤيتها. لم اخرج من المنزل، بل لازمته أياما عدة كي لا يحدث ما أخشاه، أن تأتي وأنا خارج المنزل. كم انا مشتاق اليها!
في مساء احد الأيام، حيث كنت جالسا في غرفتي اقرأ كتابا لتوفيق الحكيم. فجأة سمعت طرقا على الباب، ثم سمعت حديثا في الخارج، لم اصدق أذني! لقد كانت هي!... سمعت صوتها! اجل إنها هي بعينها كنت متأكدا من ذلك. لا ادري ماذا أصابني، شعرت بالدم يعلو إلى وجنتي، وبجوارحي ترتعش كلها من أعلى راسي حتى أخمص قدمي، وكنت كالسكران بدون خمر. بقيت مسمرا مكاني أنظر في الكتاب محاولا القراءة، لم افهم سطرا واحدا مما قرأته، وكأن شيئا تجمد في داخلي، شلت حركتي حتى أصبحت عاجزا عن فعل أي شيء. يا للعجب! بالرغم من شوقي لرؤيتها؛ لم أجرؤ على الخروج من الغرفة. لقد تسمرت مكاني وبقيت وحدي ساعة أو ساعة ونصف، ظننتهم يوما كاملا!... لقد غادرت. سمعتها تودعهم في الخارج. وبقيت أنا مع نفسي، مع اشواقي ومع أحزاني، لم استطع فعل شيء... اخفق ايها القلب، اخفق! أنت خلقت لتخفق فقط. السعادة ليست لأمثالك! انها ليست من نصيبك. ابق مع الاحزان فأنت حري بها! لقد خصك الله بالتعاسة دون سواك...فانعم بها!.
منذ ذلك اليوم أصبحت مدمنا على المنزل. لم ارغب في الخروج مع أصدقائي، وكلما زارني احدهم كنت انتظر مغادرته بفارغ الصبر. في الحقيقة لا أريدهم أن يزوروني. أخشى أن تأتي لزيارتنا ويعجب بها احدهم أو أن تكون محور حديث أصدقائي، فانا لا أطيق أن ينظر إليها أحد، أو يكلمها أو يلفظ اسمها على شفاهه. لا أعرف ما الذي يحدث ؟ أهذا ما يسمونه الحب؟ ...نعم ...أنا أحبها ! لا يمكنني وصف حبي لها؛ لان الكلمات تعجز عن ذلك!
لم أشارك أحدا في مشاعري، لان خجلي وكبريائي يمنعانني من ذلك. بقيت أتألم وحدي، وأقاسى مرارة البعد عنها والحرمان منها. واحيانا كنت ابكي بصمت! اتصدقون ان رجلا يبكي شوقا ولوعة؟ نعم بكيت! كنت أتساءل: ترى، هل تشعر نحوي كما اشعر نحوها؟ هل تحبني كما أحبها؟ فأنا لم أصارحها بشيء!... يقولون: انه "من القلب إلى القلب رسول"، ترى هل بلّغها الرسول بمدى حبي لها؟!
لم يتغير شيئ. بعد سنة تقريبا، دخلت إلى البيت وكان أهلي يتشاورون في أمر زواجي من فتاة من قريتي، لقد تحدثوا مع أهل الفتاة وبدا الأمر جديا. لم أعارض، فقد خجلت أن أبوح بمشاعري أمامهم، وافقت على ذلك وتمت خطوبتي. بعد سنة تزوجت وأنجبت أربعة من الأولاد. لقد كبر أولادي وأصبحوا في سن الشباب، وأعيش في بيتي كباقي الناس، حياة روتينية، عادية وفارغة. لم انساها أبدا، ولن أفعل ذلك! فهي أجمل شيئ في حياتي. لا يمكنني ان اتخيل الدنيا بدونها! هي الأمل، هي سبب وعلة وجودي! يكفي انها تعيش في مكان ما وأنها ما زالت تلفظ انفاسها!
عندما تمطر الحياة علي وابل همومها، أهرب إليها بفكري لطلب السعادة الحقيقية، أتخيلها فينشرح صدري! أتصدقون؟ إنني ما زلت أبحث عنها بين النساء! أسترق النظر إليها تماما كما كنت افعل في الماضي، ثم أشيح عنها بوجهي حتى لا تراني، لأن خجلي وكبريائي يمنعانني من إظهار ما في داخلي لها. لم تغير الأيام من مشاعري نحوها ولا من حبي لها. إذ ما زلت أعيش معها بروحي... ستتهمونني بالجبن والغباء بعد كل ما صرحت به، أليس صحيحا؟! إذ كيف لي أن أحبها كل هذا الحب، وأتنازل عنها بهذه السهولة؟ لماذا لم أصارحها بحبي؟ لماذا تركتها تضيع من يدي؟! ترى هل أنا صانع قدري؟ هل حكمت على نفسي بالشقاء؟ أم أنني من صنع هذا الطاغي التي يسمونه القدر؟!!

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


