قيل الكثير وتردّدت المواقف والآراء إزاء وضعنا كمجتمع يمرّ أزمة حضاريّة واقتصاديّة وثقافيّة،ووجّهت أصابع الاتّهام إلى الجهات الرّسميّة منها وغير الرّسميّة أيضا وطالت المؤسّسات المحليّة والحكوميّة على حد سواء.
والحقيقة أنّنا أصبحنا نحترف عمليّة رمي المسؤوليّة على الآخرين واتّهامهم بتردّي وضعنا المعيشي وتقهقر تحصيلنا العلميّ والثّقافيّ وتصدّع الرّوابط الاجتماعيّة فيما بيننا .
إنّ ظاهرة التّهرب من المسؤوليّة الشّخصيّة ورميها على الآخرين أصبحت واقعا ونمطا حياتيّا نعيشه يوميّا فمن خلال ممارسته نكون واهمين أنّنا نستطيع إزالة وتخطّي التّحديّات الّتي نواجهها وإبعادها عنّا.
إنّ إنكار تحديّات الواقع ما هو إلّا نوع من أنواع الخداع، فنخدع أنفسنا ونحاول تغطيته بشكليّات وظواهر ماديّة جوفاء.
نحن كأقليّة عربيّة في هذه البلاد وفي ظلّ هيمنة العولمة وثورة الاتّصالات وتدفّق المعلومات نحاول استدراك الموقف ولكنّنا غير قادرين على ذلك، نحاول مواجهة تطورات هائلة تجتاح أجواءنا وثنايانا وكلّ ركن من أركان مفاهيمنا، فنقف أمامها عاجزين مشدوهين.
في ظلّ هذه التّطورات الهائلة الّتي من المفروض أن نتعاطى معها بمنتهى المسؤوليّة، نجد أنّ ظاهرة التّهرب من المسؤوليّة هي المسيطرة على حراكنا اليوميّ. وللوقوف عند هذه الظّاهرة المقلقة سأتطرّق إلى موضوع التّربية والتّعليم، فلا يختلف اثنان على أهميّة ومحوريّة موضوع التّربية والتّعليم لما فيه من ضمان لوجودنا الكيفيّ في هذه البلاد وفي هذه الفترة بالذّات وما يتبعه من تحديد الهويّة وشكل حضورنا الثّقافيّ والاقتصاديّ والحضاريّ في السّنوات القادمة.
في هذا السياق، لا بدّ من الوقوف أمام ظاهرة مقلقة نكاد نواجهها يوميّا، حيث نلمس إحالة الفشل الخاصّ إلى الوضع العام وزجّه تحت غطاء التّحصيل المجتمعي المتدنّي، فنسمع بعضهم يبرّر تدنّي تحصيل الأبناء بالقول: " أولاد اليوم ما بدها تتعلّم" أو " كلّيت فيه بس ما بدو يتعلّم" وغيرها من تبريرات هشّة يراوغون من خلالها معتقدين بذلك أنّهم يرضون ضمائرهم ويسدّدون فاتورة مسؤوليتهم تجاه أبنائهم ومجتمعهم.
وهنا وَجَبَ أن نقولها صريحة ومدويّة: مسؤوليّة تعليم وتثقيف أبنائنا هي مسؤوليّة الآباء والأمّهات وكلّ من يعتقد غير ذلك يكون واهما.
أقول وللتّوضيح إنّنا كآباء وأمّهات لأبنائنا الطلبة، يجب أن نستمر وبزخم قويّ ومضاعف في مراقبة عمل المؤسّسات المؤتمنة على موضوع التّربية والتّعليم وان ننتقدها ونبدي رأينا إزاء أدائها وأن نكون شركاء فاعلين في العمليّة التّربويّة، ومع هذا كلّه فإنّ المسؤوليّة الأولى والأخيرة تقع علينا نحن الأهالي– أمّهات وآباء في ضمان تعليم أبنائنا وتحصيلهم العلميّ.
الخطوة الأولى للتّغيير في ذهنيّتا كأولياء أمور تكون عندما نغيّر اتجاه أصابع الاتّهام، فبدلا من أن نوجّهها إلى الآخرين لزام علينا توجيهها لأنفسنا!
والأمر يقتضي منّا توظيف كلّ طاقاتنا وجهودنا وقدراتنا المعنويّة والماديّة إلى الدّاخل بدلا من أن نستمرّ في هدرها سدى إلى الخارج.
عملياً، يستوجب الأمر تحديد الخطوات والمعايير الّتي علينا انتهاجها لتحقيق الهدف النهائيّ الّذي نصبو إليه. والهدف النهائيّ، الملحّ والعينيّ هو:
حصول أبنائنا على شهادة فوق ثانويّة، مهنيّة أكانت أو أكاديميّة، وكلّ ما هو أقلّ من ذلك يكون شهادة لإخفاقنا!!!
قد نتساءل: لماذا شهادة فوق ثانويّة ؟
والإجابة بسيطة وهي أن واقعنا الثّقافيّ والتّعليميّ في وضع لا نحسد عليه فنسبة الأكاديميين من أبناء الأقليّة العربيّة في البلاد هي 10.6% (مقارنةً، نسبة الأكاديميين اليهود هي 26.5%).
إنّ الشّهادة فوق الثّانويّة هي عبارة عن شهادة تأمين لحياة كريمة فهي تؤمّن لصاحبها دخلاً ممتازاَ وفرص عمل أفضل وثروة معنويّة وثقافيّة .
تجدر الإشارة هنا إلى تزايد الأصوات والآراء المغايرة المطروحة عندنا والّتي تفضّل التّخلي عن التّعليم العالي واختيار الطّرق الأسهل لتحصيل دخل شهريّ فوريّ حتّى ولو عن طريق وظائف مؤقّتة وغير منتظمة، هذا التّوجه يتّسم بقصر النّظر واللّهفة المفرطة في الكسب الفوريّ وانعدام النّظرة المستقبليّة .
والحقيقة واضحة جليّة، فمعطيات دائرة الإحصاء المركزيّة تشير وبشكل واضح لا يقبل التأويل:
كلّما ازدادت سنوات التّعليم زاد الدّخل الشهري ّ( انظر القائمة المرفقة):الدخل الإجمالي للعامل الأجير 2010
إذا وفي ظلّ هذه المُعطيات تزداد مسؤولياتنا كآباء وأمّهات في تأمين مستقبل أبنائنا وهذا يتطلّب منّا اتّخاذ خطوات عمليّة فوريّة ومستمرة إزاء مسيرة أبنائنا التّعليميّة، وأكثر هذه الخطوات إلحاحاً هي الآتية :
• متابعة يوميّة لتحصيل الأبناء وخلق أجواء للحديث المشترك معهم وذلك لاستكشاف نقاط الضّعف والقوة عندهم .
• مسح شامل لقدرات أبنائنا في كافة المواضيع وفيما إذا اكتشفنا أيّ ضعف في أيّ من المواضيع
يجب أخذ المسؤوليّة والمبادرة وتركيز الطّاقات والجهود لجسر الهوّة، ويأتي ذلك إمّا بمساعدتنا وإرشادنا لأبنائنا وإمّا بمساعدة من مدرّس خصوصيّ أو طالب جامعيّ مختصّ أو حتّى بمساعدة من أحد الأصدقاء، كلّ هذا لنضمن أننّا لا نتجاهل الحلقات الضّعيفة.
• خلق مناخ من الحوار الدّائم مع معلمي الأبناء في المدرسة وذلك للحصول على ملاحظات المعلمين وتقييمهم.
• إشراك الأبناء في دورات تقوية وتثقيف داعمة.
• المبادرة بالقيام بزيارات منتظمة للجامعات كي يتعرّف الأبناء على المناخ الجامعيّ منذ الصّغر فيكون لهم طبيعيّا عند الكبر.
• الحديث الدّائم مع الأبناء بخصوص التّوقّعات المستقبليّة ومدى ضرورة ووجوب الاستمرارية في التّعليم ما بعد انتهاء المرحلة الثّانويّة.
• مبادرة الأهل في الالتحاق بأنفسهم في دورات تثقيفيّة مختلفة تعزّز من مكانتهم وقدراتهم التّربويّة تجاه الأبناء (دورات حاسوب ,دورات تأهيل تربوي...)
من الطّبيعيّ أن تكون هنالك خطوات عمليّة أخرى من الممكن أن ننتهجها لم يتمّ ذكرها وهي بالطّبع ممكنه ومباركة كونها تخدم في نهاية الأمر الهدف الأساسيّ المتّفق عليه.
إنّ مسؤوليتنا تجاه أبنائنا تكون عندما ننظر مليّا في أعينهم ونحاكي ضميرنا ونسأل أنفسنا: هل أعطينا لأبنائنا القدر الكافي لضمان مستقبلهم؟!
أن نوفّر لأبنائنا كلّ وسائل الرّاحة والتّرفيه و" التّدليع" هي أمور جيّدة لكنّها ثانويّة لأنّنا نريد أن نبني الإنسان المتحضّر والمثقّف فيهم وليس الشّكليّات من حولهم.
تبدأ مسؤوليتنا منذ المراحل الأولى ( الابتدائيّة وما قبلها) ولذا علينا أن نعتمد ذهنيّة " ما قبل" وليس
"ما بعد"، بمعنى أن نكون في موقع التّخطيط المسبق والمواكبة المستمرة وإلّا سنواجه لاحقا تراكمات سيصعب بل سيستحيل التّغيير أو التّصليح فيها.
نعم، ليست هناك طرق مختصرة وإنّما عمل دؤوب يقتضي منّا النّفس الطّويل والمثابرة فهذه هي الماهيّة الحقيقيّة للأبوّة والأمومة والّتي من خلالها يمكننا تطوير مجتمعنا والرّقي به ليكون مجتمعا متحضّرا يواجه تحدّيات المرحلة ويؤسّس لتطلّعات مستقبليّة.
سامي أسعد دالية الكرمل كانون أول 2012 بإمكان القراء ارسال ردود فعلهم الى البريد الالكتروني: [email protected]

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


