كانت الأخت الشاعرة نادرة شحادة قد أطلعتني على قصيدةٍ لها كتبتها مؤخراً تحت عنوان
"سفرٌ الى الغيب " , وتمَنّت عليّ أن أبدي رأياً نقدياً فيها شكلاً ومضموناً , فنزولاً عند رغبتها الغالية , فقد قرأت القصيدة , ووجدت فيها تجديداً في أسلوب كتابة شاعرتنا من حيث حداثة التوجه وغموض الأفكار التي تتمحور حولها كلمات القصيدة التي اتخذت اتجاهاً سوريالياً لفظاً ومعنىً, فكانت كلماتها موحية لأمور تتجاوز الواقع المحسوس وتتخطى الموضوع المألوف الملموس , فجاءت القصيدة حُبلى بالرموز ذات الأبعاد متعددة الإتجاهات والمناحي لتؤطر لكيان شعري مُفعم بالإيحاءات والتداعيات الفكرية والذهنية المشوبة بعاطفةٍ خفية ٍ غير ظاهرة بوضوح , وإنما تتوارى وراء كلمات ٍ تدفع القارئ للتكهّن والحدس فيما يتعلق بمشاعر وأحاسيس شاعرتنا المتوهجة بالعاطفة تارةً , والمتسربلة بالفكر تارة أخرى لتصل أخيراً الى حالة وجدانية تلتمس من خلالها الخروج من حالة ضياعٍ وجداني فرضها عليها وأحاطها بها ذلك الإنسان المخاطَب والمتكلم على حدٍ سواء, فاتحةً أمامنا الأبواب للدخول في تحليل مكثّف لهذه القصيدة بشتى مقاصدها ومعانيها الكامنة بين الكلمات .
تبدأ شاعرتنا قصيدتها بالتوجه الى المخاطب قائلةً له :
لونـُـكَ الأصفرُ ليس لي
كعادتــكَ تتلوّن في الخفاء ْ
أنت دون الصيفِ تحترفُ الخريف َ
ودون الربيع تحترفُ الشتاء
نوافذك المغلقة حصارٌ أخرس
في دهاليزِ الظلام
يلتهمُ بقايا الريح
في سباتٍ احمق.
إن هذه الكلمات تعكس حالة من خيبة الأمل تجاه إنسان متناقض المشاعر لا سيما وأن اللون الأصفر الذي تسِم به شاعرتنا المخاطب , يرمز الى صفة التناقض في المشاعر , الخيانة والغدر وعدم الوفاء مقروناً بالخداع والغش , وبالتالي فإن هذه الصفات السلبية نموذج للرذائل الإجتماعية والأخلاقية التي يتّصف فيها الإنسان المتقلب في مشاعره وعواطفه لا يكترث لشيئ إلا لمصالحه الذاتية وأطماعه الخاصة الأنانية التي يرمز اليها اللون الأصفر أيضاً , فالشاعرة تصف المخاطَب بأنه دون الصيف يحترف الخريف وفي ذلك إشارة لعدم وضوحه العاطفي وعدم كونه صافياً كالصيف , وإنما هو ضبابي في مشاعره كالخريف لا يثبت على حالٍ مستقر مع أحبائه , كما أنه دون الربيع يحترف الشتاء مما يشير الى كون المخاطب صاخباً في عواطفه يلقي أحاسيسه على عواهنها , فليس لديه جمال النفس التي تتماهى مع الربيع , فهوإنسان لا يتحلى بجمالية الحب والوفاء وإنما يحترف الغيرة والسرية المشبوهة في سلوكه وتصرفاته تجاه الآخر المتكلم المتمثل في الشاعرة التي تعبّر عن نوع من الإحباط الذي يعتريها مما يصدر من هذا المخاطَب الذي يعيش في قوقعة من ظلام النفس بفعل ما يتّسم به من أخلاقيات وممارسات تجعل منه ذلك الإنسان الخالي من العاطفة متبلّد المشاعر كما لو أنه في " سبات أحمق " لا يعي سمو ورفعة العواطف حينما تتطلب يقظة القلب وصحوة ما في الأعماق من جمال وإنسانية ورهافة حِسّ .
وتتابع شاعرتنا في المقطع الثاني من قصيدتها بالتعبير عن ابتئاسها من حالة المخاطَب الذي يشكّل لها خواءً عاطفياً بعد أن اكتشفت حقيقته , فهو في منظورها قد جعل من " الأيام الخضراء " الخاصة بهما " عطشاً " بمعنى أن الأيام بلونها الأخضر ترمز الى الصّبا والشباب , الأمل والفرح والإبتهاج , وهو قد جعل من كل ذلك شهوةً خائبةً في تجربة مشوار الحياة , فقد أضاع الحلم المخملي الذي كانت ترجوه الشاعرة معه من خلال فقدانه اليقظة النفسية الحالمة في قسمات وإمارات وجهه الذي أصبح كالحاً في مظهره لا بل في جوهر كيانهِ , وكل ذلك ينعكس في قول شاعرتنا :
أيامُنا الخضراءُ عطش
يسافرُ في غيبوبةِ الريح
يمارسُ طقوسَ الحياة
في الحُلمِ النائمِ في وجهِك .
إن الخواء العاطفي والنفسي الذي يعيشه المخاطَب يتمثل رمزياً في قول الشاعرة في المقطع الثالث من القصيدة :
لحـُلمك فرحةٌ ترهقُ الريح
وللشمسِ احتراق في روحك
تسيلُ في احضانك َ
نوراً لغد ٍ مقتول
في هذه الكلمات تكمن إيحاءات وتداعيات فقدان المخاطب لكل استنارة روحية داخله بحيث أن النور الذي كان من المفروض أن يسري في أعماق نفسه قد خبا وتتلاشى وأصبح " نوراً لغدٍ مقتول " باعتبار أن " الغد المقتول " هو كناية عن ضياع الحب المأمول وغياب العواطف الملتهبة في النفوس الى غير رجعة .
وتعود شاعرتنا في نهاية قصيدتها الى حالة إجمالية من الكشف عن دخائل المخاطب قائلة: بأن " المطر يرتجف / تحت قدميه " و " الصيف بعيد " , وفي ذلك ترميز الى أن المطر الذي يمثّل ويرمز الى البركة الإلهية , الغبطة والسعادة , التطهير والخصوبة والكشف الروحي , قد دنّسهُ المخاطب ولوّثه بممارساتهِ الخادعة الغادرة المتناقضة , وهذا مؤشّر الى أن عهد الصفاء قد اندثر ولم يعد له وجود " فالصيف بعيد " ولا أمل في قدومه ِ قريباً بمعناه المجازي . وتختم شاعرتنا القصيدة بقولها:
الضبابُ المرصّعُ من حولك
سفرٌ الى الغيب
وامتدادٌ لعمرٍ قديم ....
وهنا تصل شاعرتنا الى أوج خيبة أملها من المخاطب كما بدأت بها قصيدتها لتكتمل دائرة الفكرة المتمحورة حولها القصيدة , فالضباب رمز الى حالة الخطأ والحيرة , فالنفس أو الروح يجب أن تعبر الواضح المؤدي الى حالة الإستنارة , وهذا ما تأمله الشاعرة للمخاطب الذي فقد المؤمّل فيهِ منذ البدايات واستغرق في ظلامية تناقض المشاعر وبُعدُهُ عن فضائل الوفاء والإخلاص وثبات العاطفة .
وهكذا , نكون قد تناولنا بالتحليل الموجز قصيدة " سفرٌ الى الغيب " للشاعرة نادرة شحادة حيث كانت هذه القصيدة جديرة بالإهتمام لفرادتها الحداثية وسورياليتها المعتدلة مما يشير الى أن شاعرتنا تسير في طريق الإبداع الواسع بمراميه وفي بحر الكلمات المتشعّب بروافده , آملين لها مستقبلاً شعرياً زاهراً مبشّراً بالخير بكل ما يحمل ذلك من آمال ٍ عريضة لها في عالم الشِعر الذي يتطلب الصبر والمعاناة وطول الأناة .
فلكِ منّا أيتها الشاعرة أطيب التمنيات بالتوفيق والمزيد من الإبداع والعطاء .

الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


