يطل علينا بين الفينة والأخرى، على الشاشة الصغيرة أو بأي وسيلة إعلام، أشخاص تألّوا على الله، يصنفون بني البشر إلى مؤمنين وكفار، يثيرون الفتن وينشرون الفساد ويسيئون إلى الناس بشكل جماعي وإلى مجتمعات كاملة، يعتقدون أنهم وكلاء الله على الأرض، وحامي حمى الإسلام، وبدلا من أن يكرمون هذا الدين الذي كرّم اللهُ الإنسانَ به ، يسيئون له، ولا اعتقد أنهم يفعلون ذلك من حيث لا يدرون. وإن كنت أعتقد أنهم يدركون ان بتألّيهم على الله يشاركونه في حكمه، وهذا هو الشرك بالله ، والله غفور رحيم إلا في من يشرك بالله.
الأديان كلها مقدسة، والإسلام قدسها حيث جاء يتممها، حين قال "وأنزل عليك الكتاب بالحق مصدّقا لما بين يديه" ويقصد التوراة والإنجيل، وقال أيضا "أنزل التوراة والإنجيل من قبلُ هدىً للناس، وأنزل الفرقان" وبهذا يبعد القرآن نفسه عن العنصرية والطائفية ،وبهذا تعاليم مجازية وهي احترام كل الأديان ، فلم يعاد دينا ، أو يكره دينا، وهو على إدراك أن الناس مللا ومذاهب مختلفة حيث قال في سورة هود "لو شاء ربُّك لجعل الناس أمة واحدة" وقال في سورة يونس " لو شاء ربّك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعا" وقال في سورة النحل "لو شاء لهداكم جميعا" ، إنه، أي الإسلام أول من يُدْرك أن الناس مللا ومذاهب، ومع ذلك لم يرد في القرآن الكريم ما يُكرّه إنسانا بآخر، ورغم ذلك تجد أولئك المتآلّين على الله يصدرون الفتاوى وفق أهوائهم وحسب رغباتهم وشهواتهم، يتحركون، أو يُحَرّكون، بدافع التعصب والعنصرية والجهل والفساد وشق الصفوف وخدمة مصالحهم او خدمة أعدائهم ، فيكفّرون من يُكفّرون، و يعتدون على الذات الإلهية ويحكمون بما لا يملكون، ناهيك عن اعتدائهم على ضحاياهم من الناس والجماعات.
مثل هؤلاء في كل الملل والمذاهب والأديان، يقذفون سمومهم كالأفاعي، يصدرون الفتاوى ابتغاء الفتن، حتى على بعضهم، لا يجنون من ذلك غير الذي نراه ونسمع ونقرا عنه في مختلف بقاع العالم أفغانستان وباكستان ومصر وسوريا، فالشيعي يكره السّنّي، والسني يعلن الحرب على الشيعي أو العلوي والمسلم يحارب المسيحي ،وكأن الإسلام لا ينمو لاّ بالدم، حتى صار هذا الدين الشريف ، بفعل أولئك المتتلّين على الله مرادفا لكل جريمة وقعت حيث وقعت، في الجزائر مثلا قتل المسلمون أكثر من مائتي ألف مسلم باسم الدين وارتكبوا أبشع الجرائم التي فاقت جرائم النازيين، مثل سلخ جلد المسلم عن بدنه قبل أن يموت، حتى أن بعض المسلمين الضحايا فضل أن يخنق نفسه بحفنة رمل، كي ينجو من هكذا عذاب.
هل بذلك خدموا الإسلام؟؟
ونحن في هذه البلاد في الجنوب وفي الشمال في أم الفحم أو الناصرة أو يافا أو عكا أو يركا أو عرابة أودالية الكرمل أو سخنين، شركاء في الانتماء، سواء أدرنا وجوهنا إلى الجنوب أو الغرب أو الشمال أو الشرق إننا شركاء في الانتماء إلى العروبة أو الإسلام، أو على الأقل وإن كان الأهم، شركاء في المصير المُهدد .
هل تنقصنا فتاوى تصب في خانة من يتمنى حين يفيق أن يجدنا تحت سطح البحر، ويصنفنا أن أفضلنا من يرقد تحت التراب! وأنه لو استطاع أن يزجّ بنا في زجاجة كالحشراتّ لما تردد ولن يندم على ذلك!
هل تغلبنا على جهلنا وفقرنا ومرضنا وصرنا نشتهي مرضا آخر اسمه التعصب الديني؟
إن التعصب أينما كان، ومهما كان فهو مزرعة للرذيلة والفساد.
على ماذا نزايد بعضنا؟؟ على الإيمان؟
وهل هناك بارومتر أو ترمومتر يقيس درجة الإيمان عند الإنسان ليفضل نفسه على غيره من الناس؟
وهل نحن على درجة من الغباء تمنعنا من أن ندرك أن الإيمان الديني خاصة هو علاقة فردية بين الإنسان وخالقه، أحيانا تكون متينة كالفولاذ، وأحيانا تهن كالماء، ومع ذلك يظل ربك ذو الإحسان والإكرام رحمانا رحيما وسعت رحمته السموات والأرض.
ألا يعيشون الغربة التي نعيشها في وطننا وعلى أرضنا التي تنزلق من تحت أنوفنا بقدرة مغتصب ،هل انتهت كل مشاكلنا ولم يبق لدينا سوى الاقتتال والاحتراب وتكفير هذا وذاك.
ليسأل نفسه هذا الفقيه أو ذاك من يخدم بدقّه إسفينا بين أبناء الشعب الواحد، ليسأل نفسه من المستفيد ؟؟؟ألا يدرك أن أعداء الأمة استخدموا الدين لشق صفوفنا، ألا يدرك أن الرابح الأول هم أعداء الإسلام، وأعداء العرب.
إن كان لا يدرك فهي مصيبة ، وإن كان يدرك فهي كارثة، لأنه يقوم بالمهمة عن معرفة وسبق إصرار لخدمة أعداء الأمة!
إننا في هذه البلاد يكفينا ما نحن فيه، لسنا بحاجة إلى مؤمن ملتحٍ، أو أجرد كافر ليزرع بيننا فتنة ، يكفي من سلبنا أرضنا ، ويهدد مصيرنا ووجودنا صباح مساء، حين يقول لنا أننا غرباء هنا، وأن هذه البلاد ليست لكم، وأنتم غير مرغوب بكم.
إننا في هذه البلاد لسنا بحاجة إلى فتوى اشد إيلاما من البلوى.


الرئيسية
اضفنا للمفضلة
اتصل بنا


